حيدر حب الله
26
حجية الحديث
المفيدة للتواتر . لكن من الضروري أن لا نفهم التواتر فقط في سياق الأسانيد بالمعنى الذي هو موجود بين المحدّثين وعلماء الحديث ، فإنّ هذا المعنى لا وجود له في حياة العقلاء إلا قليلًا ، ويمكن فرض التواتر من دونه ؛ لما سيأتي بحول الله من أنّ التواتر غير مرتبط بالحديث الصحيح السند ، بل يشمل أيضاً حتى الأحاديث الضعيفة والمرسلة وغيرها ، وهو أيضاً غير مرتبط بالتواتر في جميع الطبقات على معنى سنبيّنه لاحقاً بعون الله ، غاية الأمر أنّ الحال فيها يستدعي المزيد من توافر المعطيات من المضعّفات الكميّة والكيفية للكذب والخطأ . وكذلك يظهر الفرق بين المتواتر والمشهور من الأحاديث ، وهو - بحسب تعريف بعض الأصوليين - : ما كان من الآحاد في الأصل ، ثم انتشر فصار ينقله قوم لا يتصوّر تواطؤهم على الكذب ، وهم القرن الثاني ومن بعدهم ، وأولئك قومٌ ثقات أئمة لا يُتهمون ، فصار بشهادتهم وتصديقهم بمنزلة المتواتر ، حتى قال الجصّاص : إنّه أحد قسمي التواتر « 1 » . وسوف يأتي بعون الله تعالى عند الحديث عن خبر الواحد ما يفيد في قضيّة التمييز بين المتواتر والمشهور والآحادي . التواتر في سياق الدراسات الأصوليّة والحديثية درس العلماء المسلمون مسألة التواتر منذ قديم الأيام ، لكنّهم في معالجاتهم القديمة كانوا يتعاملون مع هذا الموضوع تعاملًا كلامياً فلسفيّاً ، أي أنّ طبيعة المباحث التي تطرّقوا عبرها للتواتر كانت ذات طابع كلامي ، وذات آليات كلامية فلسفيّة أيضاً ؛ ويمكننا فهم هذا الأمر من خلال طبيعة الموضوعات التي درسوها مثل : التواتر يفيد العلم ، هل العلم الحاصل بالتواتر كسبي نظري أو اضطراري ضروري ؟ وما شابه ذلك ، وهذا ما غلب أيضاً على المصنّفات الأصولية الإماميّة القديمة مثل الذريعة
--> ( 1 ) الخبازي ، المغني في أصول الفقه : 192 - 193 .